ابن رشد

163

تهافت التهافت

نهاية لها ، لأنه يلزم عن وجودها غير متناهية أن تكون من الموجودات التي لا علة لها ، فتكون من جنس واجب الوجود ، لا سيما أنه يجوز عندكم أن يتقوم الأزلي من أسباب لا نهاية لها كل واحد منها حادث ، وإنما عرض لهذا القول هذا الاختلال بقسمه الموجود إلى ما لا علة له ، وإلى ما له علة ، ولو قسمه على هذا النحو الذي قسمناه لم يكن عليه شيء من هذه الاعتراضات . وقوله : أن القدماء يسلمون أنه قد يتقوم قديم مما لا نهاية له لتجويزهم دورات لا نهاية لها هو قول فاسد ، فإن هذا إنما يقال عليه اسم القديم مع القديم الذي هو واحد باشتراك . وقوله : فإن قيل فهذا يؤدي إلى أن يتقوم واجب الوجود بممكنات الوجود ، قلنا : إن أردتم بالواجب والممكن ما ذكرناه فهو نفس المطلوب ، فلا نسلم أنه محال . يريد أنهم إن أرادوا بالواجب ما لا علة له ، وبالممكن ما له علة ، فلا نسلم أنه يستحيل أن يتقوم ما ليس له علة بعلل لا نهاية لها ، لأن إنزالنا أن ذلك مستحيل هو رفع لعلل لا نهاية لها ، وإنزالكم واجب الوجود هي نتيجتكم التي رمتم إنتاجها . ثم قال : وهو كقول القائل يستحيل أن يتقوم القديم بالحوادث ، والزمان عندهم قديم وآحاد الدورات حادثة وهي ذوات أوائل ، والمجموع لا أول له فقد تقوم ما لا أول له بذوات أوائل ، وصدق أنها ذوات أوائل على الآحاد ، ولم يصدق على المجموع فكذلك يقال : على كل واحد أن له علة ، ولا يقال للمجموع علة وليس كل ما صدق على الآحاد يلزم أن يصدق على المجموع ، إذ يصدق على كل واحد أنه واحد وأنه بعض وأنه جزء ولا يصدق على المجموع . يريد أنه لا يستحيل أن يتقوم ما لا علة له بمعلولات غير متناهية ، كما يتقوم القديم عندكم بالحوادث التي لا نهاية لها ، فإن الزمان عندهم قديم ، وهو يتقوم بأزمنة محدثة . وكذلك حركة الفلك عندهم قديمة ، والدورات التي تقومت منها غير متناهية . والجواب أن الفلاسفة ليس من أصولهم وجود قديم قائم من أجزاء محدثة من جهة ما هي غير متناهية ، بل هم أشد الناس ، إنكارا لهذا ، وإنما هذا من قول الدهرية . وذلك أن المجموع لا يخلو أن يكون من أشخاص متناهية ، كائنة فاسدة ، أو غير متناهية . فإن كان من متناهية ، فالكل متفق على أن الجنس كائن